أحمد بن علي القلقشندي

337

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وبعد ، فإنّ أمير المؤمنين لما أكسبه اللَّه تعالى من ميراث النّبوّة ما كان لجدّه ، ووهبه من الملك السليمانيّ عن أبيه ما لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلَّمه منطق الطير بما تتحمّله حمائم البطائق من بدائع البيان ، وسخّر له من البريد على متون الخيل ما سخّر من الرّيح لسليمان ، وآتاه من خاتم الأنبياء ما أمدّه به أبوه سليمان وتصرّف ، وأعطاه من الفخار ما أطاعه به كلّ مخلوق ولم يتخلَّف ، وجعل له من لباس بني العبّاس ما يقضي له سواده بسؤدد الأجداد ، وينفض على كحل الهدب ما فضل عن سويداء القلب وسواد البصر من السّواد ، ويمدّ ظلَّه على الأرض فكلّ مكان حلَّه دار ملك وكلّ مدينة بغداد ، وهو في ليله السّجّاد ، وفي نهاره العسكريّ وفي كرمه جعفر الجواد - يديم الابتهال إلى اللَّه تعالى في توفيقه ، والابتهاج بما يغصّ كلّ عدوّ بريقه ، ويبدأ يوم هذه المبايعة بما هو الأهمّ من مصالح الإسلام ، وصالح الأعمال مما يتحلَّى به الإمام ، ويقدّم التقوى أمامه ، ويقرن عليها أحكامه ، ويتّبع الشرع الشريف ويقف عنده ويوقف الناس ، ومن لا يحمل أمره طائعا على العين حمله بالسّيف غصبا على الرّاس ، ويعجّل أمير المؤمنين بما يشفي به النّفوس ، ويزيل به كيد الشيطان إنه يؤوس ، ويأخذ بقلوب الرّعايا وهو غنيّ عن هذا ولكن يسوس ، وأمير المؤمنين يشهد اللَّه وخليفته عليه أنه أقرّ كلّ امريء من ولاة الأمور الإسلاميّة على حاله ، واستمرّ به في مقيله تحت كنف ظلاله ، على اختلاف طبقات ولاة الأمور ، وتفرّقهم في الممالك والثّغور ، برّا وبحرا ، سهلا ووعرا ، وشرقا وغربا ، وبعدا وقربا ، وكلّ جليل وحقير ، وقليل وكثير ، وصغير وكبير ، وملك ومملوك وأمير ، وجنديّ يبرق له سيف شهير ، ورمح طرير ( 1 ) ، ومن مع هؤلاء من وزراء وقضاة وكتّاب ، ومن له يد تبقى في إنشاء وتحقيق حساب ، ومن يتحدث في بريد وخراج ، ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج ، ومن في الدّورس والمدارس والرّبط والزّوايا والخوانق ، ومن له أعظم التعلَّقات وأدنى العلائق ، وسائر أرباب المراتب ،

--> ( 1 ) أي محدّد . لسان العرب والقاموس المحيط ، مادة ( طرر ) .